الزراعات الصناعية بين الجدوى الاقتصادية والقرار السياسي. لبنان يحتاج الى الشمندر السكري وليس تشريع الحشيشة: بري كان مع وأصبح ضد!

By Zahraa Dirani |

الجهة الشمالية من معمل السكر حيث تجتمع حبّات الشمندر لتنتقل الى مطبخ السكر. أيلول 2018 مجدل عنجر. تصوير دان بوروود.

 

زهراء الديراني

“سأل الرئيس بري الوفد الذي زاره من تعاونية الشمندر السكري عن المعترضين من القوى السياسية على إعادة دعم زراعة الشمندر السكري، فأجابه الوفد «تيار المستقبل» عندها سارع الرئيس بري للاتصال بالرئيس السنيورة، وقال له يا دولة الرئيس «بدك تزرعوا حشيشة او شمندر سكري”.

الحديث أعلاه دار عام 2015 حسب ما ورد في جريدة الديار، أما اليوم فيختار الرئيس بري الحشيشة.

يتملك علي العجمي، مدير العمال في معمل السكر في مجدل عنجر خيبة وخاطر مكسور، وهو يجول في أرجاء المعمل ويصعد السلالم. “هنا كنا نصنع حبيبات السكر” يشير إلى خزانات ضخمة عليها عيارات وساعات لقياس حلاوة السكر. هذا المكان المظلم كان مصدر عيش لمئتي وخمسين عائلة” يضيف بغصة.

أغلق معمل الشمندر السكري الكائن في مجدل عنجر- البقاع نهائيا عام 2013 بسبب توقف الدولة عن دعم زراعة الشمندر السكري، رغم وجود المرسوم الاشتراعي رقم 143/ 59 الذي يقضى بدعم زراعة الشمندر السكري وتصنيعه واستخراج السكر الابيض منه.

أما وزير الصناعة حالياً  والزراعة سابقاً حسين الحاج حسن، الذي كان من أشد المؤيدين لزراعة الشمندر السكري في البقاع، يستغرب إعادة الحديث عن موضوع زراعة الشمندر بعد إنقطاع دام أكثر من خمس سنوات. يضيف في إتصال هاتفي “لا أستطيع إعطاء إذن إجراء مقابلة للحديث عن زراعة الشمندر خصوصاً أن موضوع تشريع الحشيشة لا يزال عالقاً، في حال أعطيت رأيي في هذا الموضوع سيتبين موقفي من تشريع زراعة الحشيشة”.  

كذلك الأمر بالنسبة  لوزير الزراعة الحالي غازي زعيتر، الذي حاولنا التواصل معه  لسؤاله عن أسباب توقف دعم الزراعة فأجاب عبر الهاتف: “ليس لدي أي معلومات وهذا الموضوع ليس من إختصاصي، مكتب الحبوب والشمندر السكري هو المسؤول عن متابعة دعم زراعة الشمندر السكري”.

 

مصنع الشمندر السكري من الداخل، في خراج بلدة مجدل عنجر، البقاع. أيلول 2018 . تصوير دان بوروود

 

زراعة الشمندر السكري: خاسرة ولكن

يقول مدير عام مكتب الحبوب والشمندر السكري حنا العميل وهو يقرأ تقارير وضعت على مكتبه “أنا أشغل هذا المنصب منذ العام 2014، وهذا المكتب هو إدارة عامة أنشأت سنة 1959، بموجب المرسوم الاشتراعي 143. تتجلى مهمته الرئيسية بتأمين دعم زراعة الحبوب والشعير والشمندر السكري، وتأمين دعم الرغيف ضمن جودة معينة”. وقد سميت هذه الإدارة بهذا الإسم منذ تاريخ إنشائها، وبقي إسم الشمندر فيه حتى اليوم رغم توقف زراعة الشمندر السكري، ورغم وجود قانون لدعم زراعة الشمندر.

توقف دعم الشمندر عن التنفيذ بموجب القرار الرقم 42 الذي صدر عام 2005  وسمح بإستمرار زارعتي القمح والشمندر السكري لثلاث سنوات أخرى فقط، ألغي بعدها نهائياً سياسة الدعم لهاتين الزراعتين.

يشرح مدير عام مكتب الحبوب والشمندر السكري حنا العميل أسباب توقيف دعم الزراعة ” إن اعادة دعم الشمندر السكري مرتبط بالجدوى الإقتصادية لهذه الزراعة، وتصنيع الشمندر السكري يعد من الزراعات التي تبلغ كلفة إنتاجها نسبة أكبر من عملية إستيراد السكر لذلك هي خاسرة”. ويضيف “سنة 2013 كانت كلفة انتاج طن السكر بحدود المليونين وثلاثمئة ألف ليرة، بينما سعر الإستيراد يبلغ حوالي ستمئة وخمسين ألف ليرة لبنانية وهكذا فإن كلفة الانتاج لزراعة الشمندر مرتفعة في لبنان”

إن دعم هذه الزراعة مرتبط بمعمل السكر الموجود في مجدل عنجر- البقاع وهوالشركة المساهمة الوحيدة  في لبنان لانتاج وتصنيع السكر. تأسست سنة 1957 على يد الرئيس الراحل كميل شمعون، وعبد الغني قاسم والشيخ بطرس الخوري وناظم غندور. يقول حنا العميل” المعمل في البقاع أصبح قديما واليوم هناك طرق حديثة وألالات جديدة لإنتاج السكر” ويضيف “من الاسباب التي شجعت على وقف دعم الشمندر أن السكر المنتج محليا لم يستطع أن يضاهي السكر المستورد”.

 

من اليمين الى اليسار: الشىيخ بطرس الخوري، عبد الغني قاسم ، الرئيس الراحل كميل شمعون. أخذت الصورة سنة 1957 عندما وضع حجر الاساس لمعمل الشمندر السكري في مجدل عنجر في البقاع. لبنان

 

ينتظر مكتب الحبوب والشمندر السكري دراسة تقوم بإعدادها غرفة الزراعة في غرفة التجارة والصناعة والزراعة، من أجل البحث عن آلية جديدة لدعم الشمندر وعن الجدوى الاقتصادية منها، وعند انتهائها يستطيع المكتب أن يقدم هذه الدراسة لمجلس الوزراء حتى  يعيد دراسة اعادة دعم الزراعة. يقول حنا العميل” جرى حديث بيننا وبين رئيس غرفة الزراعة رفائيل دبانه وهو مدرك أن الطريقة التي كان يتم فيها زراعة الشمندر لا تؤدي الى ربح لأن كلفة الانتاج مرتفعة، من ناحية البذور ومن ناحية التصنيع ومن نواحي عديدة أخرى ولهذا السبب هم يبحثون عن إمكانيات تحديث البذور لجعل تصنيع السكر عملية أفضل وبكلفة أقل وعندما تنجز هذه الالية نستطيع أن نقدمها لمجلس الوزراء حتى يعيد دراسة دعم الشمندر”.

 

الجدول رقم 2:

المردود الاجمالي لتصنيع كامل الانتاج الذي ينتج عن زراعة الشمندر السكري على مساحة 50 ألف دنم

المصدر: دائرة الزراعة والصناعات الغذائية. رؤية مستقبلية حول صناعة السكر في لبنان. غرفة التجارة والصناعة والزراعة في بيروت وجبل لبنان. بيروت. 24 نيسان 2018. تظهر الدراسة أن زراعة الشمندر السكري مجدية إقتصاديا.

 

تعاونية الشمندر السكري في البقاع

يدخل رئيس تعاونية الشمندر السكري جورج الهراوي إلى مبنى التعاونية في كسارة-زحلة الممتلئ صدى وكراتين لبذور شمندر سكري، مستوردة من إلمانيا لا زالت تنتظر قرار حكومي لإعادة الدعم. وبصوت لا يوحي بأي أمل “عام 2013 قالوا أنهم سيعيدون دعم الشمندر، وطلبنا البضاعة على أساس كان هناك قرار لوزيري الزراعة والإقتصاد أنذاك في دعم الشمندر لمدة خمس سنوات، لكن أعطينا دعم لسنة مستقلة في حين نحن طلبنا بضاعة لمدة خمس سنوات. فوق المئة وأربعين الف يورو “نايميين” وهذه البذور تموت بعد ثلاث سنوات”

 

بذور الشمندر السكري المستوردة من إلمانيا، يبدو عليها الغبار. تعاونية الشمندر السكري. كسارة، البقاع. 2018

 

يضحك وبنبرة ساخرة “وصلنا على وزارة الإقتصاد وعرضنا هذه المشكلة لكن لم يكن هناك أي تعاون، أحد وزراء الاقتصاد إستقبلنا برحابة صدر وتأهل وسهل بنا وعند نهاية الجلسة سألنا ” شو جايين تعملوا عندي؟ لم يعرف الوزير بوجود مديرية اسمها مديرية الحبوب والشمندر السكري”

أما عن سبب توقيف دعم الزراعة يقول الهراوي “في باريس 1 وهو إجتماع دولي جرى في 27 شباط 2001  لدعم لبنان اقتصادياً ومالياً، طلبت الدول المانحة وقف الدعم عن الزراعات المدعومة وهي القمح والشمندر والدخان. وكانت الحلقة الأضعف هي الشمندر، أو هكذا إرتأى الرئيس الشهيد رفيق الحريري لأنه يمون على الشمندرات، على أن يقف دعم زراعة القمح والتبغ لاحقاً.

وطبعا لم يتوقف دعم التبغ لأن بعض الأحزاب إعتبروها شتلة مقاومية لا يجوز المس فيها، إعتباراً منهم أن هذه الشتلة تؤمن أرزاق لمزارعينها الذين هم ثابتين في أرضهم، والذين يقاومون إسرائيل. وإستمر دعمها في الوقت الذي منع الدعم عن الشمندر. هناك قرار سياسي ذات لون معين لدعم زراعة التبغ. واضحة لا تحتاج إلى مناقشة”.

يضيف الهراوي ” كل البنى التحتية لهذه الزراعة جاهزة،  نحن كبسيلنا الزر، ثلاثة أشهر منقلع. وبالنسبة لما كان يقال عن المعمل أنّه قديم جلسنا مع صاحب المعمل وقال أنّه حاضر أن يحدّث كل الآلات الموجودة في المعمل لكن كرجل صناعي يحتاج إلى ضمانة، أن زراعة الشمندر ستستمر أقل مدة خمس سنوات”

 

كل الأسباب حجج والمعمل جاهز

الزراعة المدعومة ضرورية ولابد أن تكون موجودة من أجل ضمان توازن ومردود جيد في الزراعة. يعتبر رئيف القاسم وهو مالك المعمل الذي ورثه عن أبيه أن كل الأسباب التي أدت إلى توقف دعم الشمندر ما هي إلا حجج غير منطقية. “يقولون أنّهم بحاجة إلى إجراء دراسات وإلى حد اليوم أجري العديد من الدراسات وكلها بلا فائدة”

يضيف ” من غير الدقيق القول أن  زراعة الشمندر السكري خسارتها أكثر من أرباحها على الدولة. كانوا يضعون في لبنان جمرك 5% على إستيراد السكر وهذه النسبة كانت تغطي الخسارة التي تتحدث عنها وزارة الإقتصاد. من أهم الأسباب التي أدت إلى توقف دعم الشمندر السكري هو الكلفة التي كانت بحدود عشرين مليون دولار، لكن هذه الكلفة كانت تعوض من الضريبة التي وضعت على السكر.

سبب آخر، هو مصانع المشروبات الغازية في لبنان، الذين إعترضوا على وضع نسبة 5% جمرك على سعر السكر، “جشع وطمع مصانع المشروبات الغازية التي تمتلك نفوذ سياسي أدى إلى توقيف دعم زراعة الشمندر” يقول القاسم بلهجة شديدة. لاحقاً، أوقفت الضريبة التي كانت مفروضة على إستيراد السكر ولذلك أصبح الدعم بلا مقابل.

 

رئيف القاسم مالك معمل السكر. وهو اليوم يعمل أيضا في تجارة السكر. بيروت 2018

 

أما فيما يقال عن المعمل أنه قديم ولا يناسب المعايير العالمية فهذا الكلام غير دقيق “نحن عندما كنا نعمل كنا مجبرين على تحديث المعمل كل سنة، وبالتالي لا نستطيع أن نتوقف عن تحديث الالات”.

يضيف القاسم “المعمل حديث ويناسب كل المعايير العالمية ونحن لدينا قيود تثبت هذا الشيء، وأي كلام غير هذا يكون صادر عن عدم معرفة وإطلاع. فلتحضر وزارة الإقتصاد مهندسين وليكشفوا على المعمل”.

“جاوبيني معمل كانت طاقته 300 طن كيف أصبحت طاقته 3000 طن اذا لم نحدّث فيه؟ المعمل يحتاج فقط الى صيانة بسبب وجود أجهزة الكترونية”.

 

خبر من جريدة النهار، 22 أيلول 2003 ، السنة 71 العدد – 21737

 

عمال الشمندر السكري

هيثم صبري، 60 عاماً. مزارع كان يزرع شمندر سكري في سهل مجدل عنجر، يقول “عندما كنا نزرع الشمندر كانت الأرض مرتاحة أكثر، وكان لهذه الزراعة أثر إيجابي على كل البقاع وليس حصراً بالمزارعين. موسم الشمندر كان أساس كل الدفعات المالية، كانت المدارس والمحلات والبنوك  تنتظر الموسم مثلهم مثل المزارع وأكثر، كنا نعيش بإكتفاء ذاتي والحالة مستورة”.

يشكو هيثم “زراعة البطاطا والثوم والبصل لا تكفي وحدها وهي تخسر في معظم المواسم. نحن المزارعين نعاني كثيراً في المواسم الزراعية. وللصراحة عمي نحنا مش بوارد نزرع حشيشة”. يقصد أنه ليس مع تشريع الحشيشة الذي يتداول في الوسط العام امكانية تشريعه، لأن منطقة مجدل عنجر لم تعرف هذه الزراعة قط.

رباح مدللي، 62 عاماُ. عاملا فنياً في معمل الشمندر السكري من بلدة دير زنون. عمل من العام 1976 حتى العام 2004 في قسم صيانة الكهرباء للمعمل. “كانت حياتنا أفضل، إقفال المعمل غيّر حياتنا. كنا متعودين على العمل المنتظم وكنا نتمتع بضمانات صحية وإجتماعية” تردف زوجته التي تجلس بقربه ” عندما كنت حامل بأبني وأردت أن أنجب، أذكر أن الضمان الصحي الذي أمنته لنا وظيفة المعمل ساعدنا كثيراً”  يكمل مدللي “أعرف شخصا أصابته جرحة عندما توقف عمل المعمل نهائيا”. أرزاق الكثير من الناس انقطعت، واليوم يحكى عن تشريع الحشيشة وهي نبتة لا تزرع في كل مناطق البقاع، على عكس الشمندر الذي امتدت زراعته إلى أقصى مناطق البقاع الشمالي، كما وصلت زراعة الشمندر إلى سهول عكار في شمال لبنان.

 

رباح مدللي، عامل فني في معمل السكر. لقد تحارب المعمل من كل الجهات حتى توقف عن العمل. تشرين الثاني 2018 ، دير زنون – رياق.

 

علي العجمي، 45 عاما. مدير العمال في معمل السكر. “كان لدينا عمال يأتون من طرابلس، ومعظم عائلات البقاع عملوا في هذا المعمل، كل بيت جمعة شتغلوا عنا”.  يخبرنا العجمي وكأنه يتحدث عن عائلة تفرقت.

“كان الوضع الاقتصادي لكل المنطقة منتعش، كل المحال كانت نشيطة وليس المزارعين فقط ” محلات تصليح السيارات والالات الزراعية، محلات الدواليب، المحلات التجارية، المدارس…”

 

علي توفيق العجمي، مزارع ومدير عمال سابق في معمل السكر. داخل معمل السكر. أيلول 2018 . تصوير: دان بوروود

 

دراسة الجدوى الاقتصادية للشمندر السكري: هل تقدم الى مجلس الوزراء؟

بحثا عن الدراسة التي تحدث عنها الأستاذ حنا العميل وجدنا أن دائرة الزراعة والصناعات الغذائية في غرفة التجارة والصناعة والزراعة في بيروت وجبل لبنان، أعدت دراسة صدرت في نيسان 2018 عن أهمية  تعظيم الإستفادة من مقومات الموارد الطبيعية والكادر البشري المؤهل عبر تفعيل الخطط الاستراتيجية لصناعة السكر بإنتاجية عالية الجودة وبأقل التكاليف. وقد بينت الدراسة أن هنالك إمكانيات طبيعية وبشرية تساهم في نجاح صناعة السكر في لبنان لاسيما أنه قد يحل مشاكل قطاعات أخرى مثل الفائض في انتاج البطاطا. وتبين هذه الدراسة وبحسب المعطيات التي توفرت  حول الأرقام المذكورة فيها أن انتاج السكر في لبنان مجدي من الناحية الإقتصادية.

تعقيبا على ما صدر من مديرية الحبوب والشمندر السكري، نقول  أن دراسة الجدوى الاقتصادية لزراعة الشمندر السكري تبدو أنها أصبحت جاهزة، ونتائجها تظهر أن إعادة الدعم للشمندر السكري ضروري لأكثر من سبب، فهل يتقدم المكتب المسؤول والمعني بإعادة طرح هذا المشروع على مجلس الوزراء ليعاد النظر في دعم الشمندر؟ لعل بذلك تنتعش الحالة الاقتصادية في البقاع، خصوصا أن النواب في إنتخابات أيار 2018 وعدوا أبناء المنطقة بالتنمية.

هذه فرصة جديدة للمعنين في إثبات حسن النوايا وأنهم يريدون فعلا تنمية البقاع المبعد والمحروم خصوصاً، والإقتصاد اللبناني المحروم من قطاعي الزراعة والصناعة عموماً.